Content Advisory

تحذير: محتوى حساس

يغطي هذا الموقع موضوعات حساسة مثل جرائم الحرب. ويحتوي على العديد من الصور التفصيلية التي تظهر المصابين أو القتلى.

ماجد حبوش
مراسل وكالة الأناضول
غزة - فلسطينروبورتاج: سركان قايا
ماجد حبوش
لم يجد منتصر سيارة إسعاف تنقله إلى المستشفى. وعندما نُقل أخيرًا إلى هناك، لم يجدوا طبيبًا يشرف على علاجه

ما هو شعورك عندما كنت تعمل في خضم تلك الأحداث التي تجري على حافة الموت؟ كيف كانت حالتك النفسية؟

أثناء الحرب التي شنها الاحتلال الإسرائيلي على غزة، عملنا في القطاع لأكثر من 60 يومًا. واجهنا صعوبات كبيرة تحت وطأة الهجمات الإسرائيلية الوحشية التي كانت تستهدف الأطفال، النساء والمنازل بمن فيها، دون رحمة ولا هوادة.

كما استهدف الاحتلال الإسرائيلي أيضًا خلال هجماته الصحفيين، ومن بينهم “مُنتصر الصواف”، الذي كان صديقًا مقربًا لي، كالأخ. كنا نزور بعضنا البعض باستمرار. وعندما استُشهد “منتصر”، شعرت وكأن كارثة نزلت بي، لم أكن أعلم ما يجب أن أفعله أو كيف أتصرف. كان “منتصر” في شمال غزة حين استُشهد، بينما كنت أنا في الجنوب. لم أكن على علم بما حدث. ثم تلقيت اتصالاً من أحد أقاربه يخبرني أن “منتصر” وأخاه قد استشهدا. كانت تلك صدمة عظيمة، لأنني عشت معه سنوات طويلة، ولم أستطع تصديق الأمر بسهولة. كنت أعرفه منذ عام 2012. أردت أن أتأكد إن كان قد استُشهد فعلاً أم لا، فتحدثت مع شقيقه الذي أكد لي أن “منتصر” استُشهد في الشارع أمام منزله نتيجة قصف نفذته طائرات إسرائيلية على بيته. كانت الأوضاع في قطاع غزة مأساوية للغاية، فلم يكن هناك أي وسيلة لإسعاف “منتصر”، وعندما نُقل إلى المستشفى، لم يكن هناك طبيب يشرف على علاجه. وفقًا لما روى أحد أقاربه، فقد ظل ينزف حتى لفظ أنفاسه الأخيرة.

كيف واصلتم العمل تحت وطأة هذا الخطر، وبينما يستشهد زملاؤكم الصحفيون أمام أعينكم؟

العمل تحت قصف إسرائيل للصحفيين والمدنيين في قطاع غزة هو واجبنا. علينا إيصال الرسالة الإنسانية، وهي توثيق المعاناة التي تعرض لها سكان غزة. يجب أن نوضح للعالم الجرائم التي ارتكبها الاحتلال الإسرائيلي ضد المدنيين العزّل. كان هذا واجبنا الأساسي، نقل تلك الرسالة، في الوقت الذي كانت فيه المستشفيات، والصحفيون، والأبرياء، والمدنيون في غزة هدفًا للقصف الإسرائيلي.

هل ترددتم في خصوص مواصلة العمل؟

لم نتردد للحظة في مواصلة العمل، رغم استهداف المدنيين الأبرياء. كان علينا إيصال هذه الرسالة إلى العالم: “إسرائيل ترتكب مجازر ضد المدنيين العزل في قطاع غزة”.

هل هناك حادثة إنسانية بقيت محفورة في ذاكرتك، ويصعب عليك نسيانها؟

نعم، هناك العديد من الأحداث، لكن أكثرها بروزًا هو استشهاد أكثر من 30 شخصًا من أفراد عائلتي. كنت في طريقي إلى المكتب عندما حدث ذلك. كنت على بعد حوالي 500 متر من منزلنا، حين سمعت صوت انفجار قوي هز المكان، وشاهدت سحابة سوداء ترتفع خلفي. بدأت في تسجيل فيديو بهاتفي المحمول دون أن أعرف أن هذا هو منزل عائلتي. أنا مصور فوتوغرافي أيضًا، وكنت أرسل الصور إلى وكالة الأناضول. عندما رأيت مشاهد المجزرة التي ارتكبها الاحتلال الإسرائيلي ضد الأطفال، ومشاهد الجثث التي كانت تُستخرج واحدة تلو الأخرى، أغلقت كاميرتي وبدأت أساعد فرق الدفاع المدني والطواقم الطبية في إخراج الجثث والجرحى. أثناء بحثنا بين الأنقاض، قال لي أحد أقاربي إن علينا البحث في مكان محدد. أخبرته أنه ليس هناك شهداء في هذا المكان، لكنه أصر على أن آتي معه، وذهبنا معًا إلى شجرة زيتون، حيث رفعنا حجرًا تحت الشجرة ورأينا الدم ينزف من تحته. وهناك، وجدنا جثث ثلاثة أطفال من أقاربي. واصلنا البحث، ووجدنا العديد من الجثث والأشلاء التي تمزقت وتطايرت بفعل القصف الإسرائيلي.

الحدث الآخر الذي شهدته وقع عندما انتقلنا من شمال قطاع غزة إلى جنوبه. حدثت حالة من الذعر بين المواطنين عند نقطة التفتيش.

كان الجنود الإسرائيليون يطلقون النار في كل اتجاه ويستدعون من شاؤوا من المدنيين. على سبيل المثال، كانوا يقولون: ’يا من يرتدي السترة الحمراء! تعال هنا’ أو ’يا من يرتدي السترة الزرقاء! تعال هنا’، وكانوا يأمرونهم بخلع ملابسهم والقدوم إليهم. بالطبع، كانت العائلات تنادي: ’لا تذهب، لا تذهب!’ لكن دون جدوى، لأن الذين لم يذهبوا كانوا يتعرضون لإطلاق النار.

وفي حادثة أخرى، رأيت أبًا يمشي وبنته الصغيرة على ذراعه اليمنى. طلب الجنود منه أن يخلع ملابسه، ويترك ابنته، ويذهب إلى جهة اليسار حيث كان هناك جنود. ترك ابنته وبدأت الطفلة تبكي. عندما بدأت تبكي، حملتها وواصلت السير معها. بعد بضعة أمتار، صادفت جدها، وأخبرني أن الطفلة هي ابنة ابنه.

macit-habus
مراسلو وكالة الأناضول في غزة، الذين تلقوا نبأ مقتل المصور الصحفي لدى وكالة الأناضول منتصر الصواف. من بين هؤلاء الصحفيين، كان ماجد حبوش (جلوسًا)، وعلي جادالله (الثاني من اليسار)، ومصطفى حبوش (الثاني من اليمين)، وهند الخضري (على اليمين).
كان الجنود الإسرائيليون يطلقون النار في كل اتجاه ويستدعون من شاؤوا من المدنيين. كانوا يقولون مثلاً: “يا من يرتدي السترة الحمراء! تعال هنا” أو “يا من يرتدي السترة الزرقاء! تعال هنا”، وكانوا يأمرونهم بخلع ملابسهم والقدوم إليهم. بالطبع، كانت العائلات تنادي: “لا تذهب، لا تذهب!” ولكن دون جدوى، لأن الذين لم يذهبوا كانوا يتعرضون لإطلاق النار

ماذا حدث لأبيها؟

أخذه الجنود، ولا أعلم ما حدث له. لم يتركوه يذهب في سبيله، ولا أعلم ما حل به بعد ذلك. أخذ الجد حفيدته وذهب. سألني عن مكان ابنه، فأخبرته أن الجنود أخذوه. ثم واصلنا السير، وبعد أن ابتعدنا قليلاً عن الجنود، قلت لأطفالي: “الحمد لله، لقد تجاوزنا جزءًا من الخطر.” حملت أطفالي، وتابعت السير مع زوجتي. مشينا مسافة طويلة حتى وصلنا إلى مكان فيه عربات تجرها الخيول أو الحمير، والتي كانت تنقل الناس إلى دير البلح والنصيرات وخان يونس في الجنوب.

حدثتنا عن الأوضاع الإنسانية التي شاهدتها للعائلات التي تهدمت منازلها بفعل القصف. هل يمكنك أن تخبرنا المزيد عنهم؟

نعم، في منطقة دير البلح، تم قصف أحد المنازل واستشهد جميع أفراد العائلة الذين كانوا داخله. لا أعرف عددهم بالضبط. كانت هذه العائلة تسكن بالقرب من المكان الذي كنا نعمل فيه خلف مستشفى شهداء الأقصى، حيث كنا نقيم في خيمة. بعد شفاء الجرحى، لم يتمكنوا من العثور على مكان للإقامة، فأصروا على البقاء في الجزء العلوي من المنزل المتهدم. كان هناك مطبخ، لكنه لم يكن مناسبًا للعيش. دعتنا العائلة ذات مرة لتروي لنا قصة حياتها. كانوا ينامون على الأنقاض دون أي غطاء أو فراش، وفي ظروف لا تليق بالبشر.

كنّا نوثق حياتهم اليومية. حيث كانت المرأة تغسل ملابسها بين الأنقاض، وزوجها يساعدها في إعداد الطعام. كان الأطفال يلعبون بين الركام. لم يرغبوا في مغادرة منزلهم. وفقًا لما أخبرونا به، كانت لديهم ذكريات جميلة في هذا المنزل، ولم يرغبوا في الرحيل عنه. كنت على تواصل معهم حتى غادرنا غزة، وظلوا في منزلهم حتى ذلك الحين. أنا وصديقي علي جاد الله وثقنا قصتهم. بعد الانتهاء من التصوير، كان الأب يقلي الفلفل والطماطم. هذه الوجبة تُسمى في غزة “قلاية البندورة الغزاوية”. أصرّ الأب على أن نتناول معهم هذه الوجبة رغم أنه لم يكن لديه خبز ولا ملح.

بالفعل، دعانا وجلسنا على الحصير الذي وضعه لنا، وتناولنا الطعام معًا. كانت وجبة مليئة بالألم، الحمد لله. هذه العائلة حافظت على إصرارها في البقاء متشبّثة بأنقاض منزلها.

slide-0
31 أكتوبر/ تشرين الأول 2023، شمال غزة - قطاع غزة (وكالة الأناضول - فادي الوحيدي)
الوجوه نادرًا ما تتشابه، ولكن داخل الأكفان، نبدو جميعًا متشابهين. فقط الأطوال تختلف، ومن خلالها نستطيع التمييز بين الطفل والبالغ. بين الجثث التي تُنقل إلى مستشفى إندونيسيا، من الواضح وجود أطفالٍ أيضًا. قريبًا، سيأتي أقاربهم، إذا كانوا قد بقوا على قيد الحياة، ليعانقوا أجسادهم للمرة الأخيرة. وبعدها؟ ستستمر الحياة كما هي. وسوف تسجل المجازر التي يرتكبها الجيش الإسرائيلي ارتفاعًا في أعداد القتلى، حتى يحين وقت وقف إطلاق النار
slide-1
23 أكتوبر/ تشرين الأول 2023، خان يونس-غزة (وكالة الأناضول - مصطفى حسونة)
أب وثلاثة أطفال. أفراد عائلة قُتلوا في هجمات إسرائيلية، يسيرون معًا في رحلتهم الأخيرة. بعد انتهاء حياتهم في مشرحة مستشفى ناصر، وُضِعوا في الأكفان ليسيروا نحو قبورهم. ذاكرة خان يونس، التي شهدت العديد من المآسي، تضاف إليها هذه الشهادة أيضًا.
slide-2
11 ديسمبر/ كانون الأول 2023، دير البلح (وكالة الأناضول - أشرف أبو عمرة)
الجروح التي نتلقاها تجعل منا لوحات مختلفة. الهجوم الذي شنته قوات الجيش الإسرائيلي على مخيم المغازي للاجئين أودى بحياة الكثيرين. أما الذين نجوا نُقِلوا إلى المستشفى مغطين بالغبار والدماء. في صورة واحدة، يظهر ثلاثة أطفال وامرأة. وجه الطفل المغطى بالدماء وأسفل منه جبهة المرأة التي تنزف، تحاول تلك المرأة بعينها المفتوحة فهم هذا العالم الذي نعيش فيه.
slide-3
29 نوفمبر/ تشرين الثاني 2024، خان يونس - غزة (الأناضول - عبد الرحيم خطيب)
حزن. طفل يبكي وهو يكافح في ظروفٍ قاسية من أجل الحصول على طبق طعام. ربما من الجوع، وربما من ألم آخر يحرق قلبه. إسرائيل التي تستخدم الجوع كسلاح، ترتكب جريمة حرب أخرى عبر منع وصول المساعدات إلى المدنيين. تمرّ الأيام، والأسابيع، والأشهر، والسنوات. الجرائم بلا عقاب، والدول تلتزم الصمت.
slide-4
24 أكتوبر/ تشرين الأول 2023، خان يونس - غزة (الأناضول - مصطفى حسونة)
الموت، الإصابة، والعودة إلى الحياة من جديد. في غزة، لكل شخص أكثر من وجع. ألمه الشخصي، ألم أحبّائه، والآلام التي تتكرّر مرارًا. أب وطفله يحتضنان بعضهما بعد قصفٍ عنيف، وينتظران المساعدة الطبية. الضمادات على رأس الأب تُظهر أن حالته أكثر خطورة. الألم؟ ربما يكون أعظم الآلام أن يرى الإنسان طفله على هذه الحال.
slide-5
16 ديسمبر/ كانون الأول 2023، خان يونس-غزة (وكالة الأناضول - بلال خالد)
الجيش الإسرائيلي يستهدف قسم الأطفال في مستشفى ناصر الأطفال الذين جاءوا للعلاج أصبحوا هدفًا لهجمات الجيش الإسرائيلي. العاملون في المجال الصحي في حالة صدمة، فضلًا عن كونهم مدركين أنهم قد يُعتقلون خلال أي مداهمة إسرائيلية مستقبلية بسبب شهادتهم على هذه الجرائم. عدسة المصور بلال خالد توثّق هذا الدمار الواقع بين الحياة والموت.