بداية الإبادة
منذ السابع من أكتوبر/ تشرين الأول، والمشاهد المروعة القادمة من غزة، من موت ودمار ومآسٍ إنسانية، تحضر أمامنا كوثائق حية، مستعرضة آلام الضحايا، وشهادات الشهود والخبراء الذين جمعتهم وكالة الأناضول في هذا الكتاب؛ لطبع تفاصيل هذه المأساة في الذاكرة بشكل حيّ وراسخ. إن الهجمات التي تواصل إسرائيل شنها بلا هوادة منذ عامين، لم تكتفِ بإحداث صدمة عميقة في ضمائر أصحاب القيم والإنسانية حول العالم، بل كشفت من جديد عن المأساة الطويلة التي يعيشها 2.3 مليون فلسطيني في قطاع غزة، في ظل فقر مدقع وظروف اكتظاظ خانقة، يكافحون وسطها من أجل البقاء.
ومن أبرز الجوانب اللافتة، بل والمفجعة، في هذه الأحداث، أن أكثر من 75% من سكان غزة هم في الأصل لاجئون — أو من أبناء وأحفاد اللاجئين — منذ عام 1948. هؤلاء الناس أُجبروا بالقوة على مغادرة بيوتهم وقراهم التي كانت تقع ضمن حدود الدولة الإسرائيلية التي أُعلنت حديثًا آنذاك، وذلك على يد الميليشيات الإسرائيلية. إن الصدمة التي سببها هذا التهجير القسري، لأكثر من سبعمئة ألف فلسطيني، ترسخت في الذاكرة الجمعية للشعب الفلسطيني تحت اسم ‘النكبة’، والتي يتم إحياء ذكراها سنويًا بمشاعر مفعمة بالحزن العميق.
وعلى خلاف الكوارث الطبيعية مثل الزلازل أو الأعاصير، فإن المجازر المرعبة التي شهدتها غزة، كانت نتيجة مباشرة لاختيارات متعمدة اتخذها قادة إسرائيل السياسيون والعسكريون. ولهذا السبب، فإن هذه الهجمات الدموية التي نُفذت بنوايا مُعلنة، تكشف بوضوح للمراقبين الذين يتحلون بالموضوعية وجود نزعة انتقامية، إلى جانب طمع يغذّيه السعي نحو السيطرة على الأرض. الأشخاص الذين دفعوا الحكومة الإسرائيلية نحو هذا المسار المظلم، هم، ومن دون أدنى شك، أبرز المسؤولين عن الجرائم الدولية التي يوثقها هذا الكتاب ويحللها بالتفصيل. لكن هناك جانبًا آخر لا يقل أهمية، فهؤلاء الأشخاص لا يتولون عادة تنفيذ السياسات التي يطرحونها بأنفسهم. بل تُوكل هذه المهام الوحشية إلى مرؤوسين عاديين، مجهولي الهوية، لا تُعرف أسماؤهم إلا عندما تكشف الصحافة أو المصورون أو الباحثون الاستقصائيون عنهم، فيظهرون إلى العلن.
ولا ينبغي الخلط بين التعريف الوجودي لمفهوم ‘الفاعل’، والتعريفات القانونية أو الأخلاقية أو السياسية له. فكل من هذه الأطر الثلاثة يمكن تبريرها عقليًا إلى حدّ ما؛ مما يجعل مسألة ‘الفاعل’ كثيرًا ما تبدو جدلية، بل وقد يُنظر إليها على أنها مسألة تقديرية. وحتى إذا تركنا جانبًا مسألة الإبادة للحظة، فإن نطاق المسؤولية الجنائية يظل واسعًا للغاية. ومع ذلك، يرى كثير من خبراء الإبادة الجماعية اليوم أن عناصر هذه الجريمة، التي تُوصَف بأنها ‘جريمة الجرائم’، متوفرة إلى حد كافٍ، حتى وإن لم تُصَغ بصيغة مكتملة. ولذلك، فإن مَن سهلوا هذه الجريمة بطريقة غير قانونية، يمكن اعتبارهم فاعلين أيضًا، ويُعدّ ذلك توصيفًا مشروعًا.
وأعلن كريم خان، المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية، في هذا السياق، أنه قدّم طلبًا إلى الدائرة المختصة في المحكمة لإصدار مذكرتي توقيف بحق زعيمين إسرائيليين، هما بنيامين نتنياهو ووزير الدفاع السابق يوآف غالانت. وقد وجّه مكتب الادعاء العام في المحكمة اتهامات لهذين المسؤولين البارزين بارتكاب عدد من الجرائم الدولية، بما في ذلك جرائم ضد الإنسانية، غير أن جريمة الإبادة الجماعية لم تُدرج ضمن هذه القائمة. وفي البيان الصادر عن المدعي العام، تم سرد الجرائم المنسوبة إلى هذين القائدين الإسرائيليين بشكل واضح، بوصفها أسبابًا قانونية تستوجب إصدار أوامر توقيف بحقهما. كما أُشير إلى وجود ‘أسس معقولة للاعتقاد’ بارتباط تلك الجرائم بأفعالهما.
‘جريمة حرب، ارتُكبت من خلال تجويع المدنيين كأسلوب من أساليب الحرب بحرمانهم من المواد التي لا غنى عنها لبقائهم، بما في ذلك تعمد عرقلة الإمدادات الغوثية، وذلك في مخالفة للمادة (8)، الفقرة (2)(ب)، البند (25) من نظام روما الأساسي؛
جريمة حرب، تمثلت في التسبب عمدًا في معاناة شديدة أو في إلحاق أذى خطير بالجسم أو بالصحة العقلية أو البدنية، أو المعاملة القاسية، وذلك في إطار المادة (8)، الفقرة (2)(أ)، البند (3)، أو المادة (8)، الفقرة (2)(ج)، البند (1) من النظام؛
جريمة حرب، ارتُكبت من خلال القتل العمد، وفقًا للمادة (8)، الفقرة (2)(أ)، البند (1)، أو القتل، وفقًا للمادة (8)، الفقرة (2)(ج)، البند (1) من النظام؛
جريمة حرب، ارتُكبت من خلال تعمد توجيه هجمات ضد السكان المدنيين بصفتهم هذه أو ضد أفراد مدنيين لا يشاركون مباشرة في الأعمال الحربية، وذلك في مخالفة للمادة (8)، الفقرة (2)(ب)، البند (1)، أو المادة (8)، الفقرة (2)(هـ)، البند (1) من النظام؛
جريمة ضد الإنسانية، ارتُكبت من خلال القتل أو الإبادة، ولا سيما في سياق الوفيات الناتجة عن التجويع، في مخالفة للمادة (7)، الفقرة (1)(أ) و(ب) من نظام روما الأساسي؛
جريمة ضد الإنسانية، تمثلت في الاضطهاد، وفقًا للمادة (7)، الفقرة (1)(هـ) من النظام؛
جريمة ضد الإنسانية، تمثلت في أفعال لا إنسانية أخرى ذات طابع مماثل تسبب معاناة شديدة أو أذى خطير في الجسم أو في الصحة العقلية أو البدنية، وذلك وفقًا للمادة (7)، الفقرة (1)(ك) من النظام.’
(جميع الجرائم المشار إليها تستند إلى أحكام نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية، الذي يحدد الإطار القانوني لعمل المحكمة.)
والنتيجة الأساسية التي ينبغي الخروج بها من هذه المعطيات، أن الجدل الكثيف المحيط بأفعال إسرائيل في غزة قد يعود إلى أن تهمة الإبادة الجماعية باتت تُعدّ من التهم القابلة للنظر بجدية. إلا أن الأمر لا يقتصر على ذلك، إذ توجد جرائم دولية جسيمة أخرى تُشكّل، بمفردها، أساسًا كافيًا لإصدار مذكرات توقيف من قبل المحكمة الجنائية الدولية. وحتى في حال لم تصدر المحكمة فعليًا أوامر توقيف، فإن البيان الصادر عن المدعي العام يُظهر بوضوح أن هؤلاء الأشخاص قد ارتكبوا أفعالًا تبرر تصنيفهم كفاعلين، وتُضفي شرعية قانونية على ملاحقتهم.
وفي هذه النقطة تحديدًا، تبرز مشاهد الفظائع التي وثّقها الصحفيون والمصورون وصانعو الأفلام الوثائقية، بدعم من شهاداتهم وتسجيلاتهم، بوصفها أدلة كافية على ارتكاب هذه الجرائم، وتؤكد على النتيجة الجوهرية التالية والتي تتلخص بضرورة اعتبار القادة السياسيين والعسكريين في إسرائيل - وربما بعض الأشخاص الآخرين إلى جانبهم - بمثابة جُناة. فعلى سبيل المثال، قيام قنّاصة تابعين لقوات الدفاع الإسرائيلية باستهداف صحفيين بارزين ومعرّفي الهوية وقتلهم عمدًا؛
وعدم اتخاذ أي إجراءات جنائية أو إدارية لاحقة ضد مرتكبي هذه الجرائم العلنية أو ضد محاولات التستر عليها، كل ذلك يجعل الصورة أكثر وضوحًا.
وهناك مسألة ثانوية تم تجاهلها أيضًا. فقد أوصى المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية، مستندًا إلى ما اعتبره ‘أسسًا معقولة’ للاشتباه، بإصدار مذكرات توقيف بحق ثلاثة من قادة حركة حماس بزعم تخطيطهم لهجوم 7 أكتوبر/تشرين الأول. وقد جرى تناول هذا الهجوم، الذي يُعتقد أنه نتج عنه جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، من قبل العديد من المصادر الإعلامية المختلفة. غير أن السؤال الذي يجب طرحه هو هل يُعدّ هؤلاء القادة من حركة حماس ‘متهمين’ بالمعنى ذاته الذي يُنسب إلى القادة الإسرائيليين؟ أي، حتى إذا تطابقت أفعال حماس في ذلك اليوم مع روايات مستقلة، فهل يمكن تصنيف الطرفين ضمن الفئة نفسها؟ في اعتقادي، إن دمج هذين الاتهامين المختلفين في بوتقة واحدة هو خطأ جسيم من الناحيتين السياسية والأخلاقية.
إن ما يجعل مقاضاة القادة الإسرائيليين أمرًا معقولًا ليس فقط ردّهم على أحداث 7 أكتوبر/تشرين الأول، بل استخدامهم منذ البداية خطابًا صريحًا يحمل طابع الإبادة الجماعية، إلى جانب شنّهم هجمات مدمّرة طويلة الأمد استهدفت السكان المدنيين والبنية التحتية الحيوية في غزة. كما أن تزايد الشكوك بشأن نوايا إسرائيل الحقيقية يدفع إلى الاعتقاد بأنها لم تكن تسعى فقط إلى القضاء على حماس، بل ربما استغلت هذا الهجوم كفرصة لضم الأراضي الفلسطينية المحتلة إلى حدود سيادتها، وتوسيع نطاق سيادتها الإقليمية.
ولا يعني هذا التحليل التشكيك في مشروعية مذكرات التوقيف الصادرة بحق قادة حماس، بناءً على الجرائم التي يُزعم أنهم ارتكبوها خلال هجمات 7 أكتوبر/تشرين الأول. لكنه يدعو إلى إجراء تحقيق دولي مستقل قبل اتخاذ مثل هذه الخطوة القانونية، من أجل كشف حقيقة ما جرى والظروف المخففة التي قد تكون محيطة بها. والأهم من ذلك، هو أن مفهوم ‘المعادلة’ الضمنية الذي يُفترض عند الجمع بين التهم الموجهة إلى إسرائيل وتلك الموجهة إلى حماس على قدم المساواة، هو مفهوم يجب مساءلته.
ذلك أن السياق الإبادي الذي تتخذه الهجمات الإسرائيلية المتواصلة على مدى عامين كاملين يفرض دعوة خاصة وفريدة من نوعها إلى المساءلة، ليس فقط على المستوى القانوني، بل وعلى المستوى السياسي أيضًا. فغزة ليست هدفًا لعملية عسكرية عبر الحدود ضد دولة عدوة، بل هي أرض محتلة منذ حرب عام 1967، وتخضع لوضع ‘الأرض المحتلة في زمن الحرب’ بموجب اتفاقية جنيف الرابعة.
لقد دأبت إسرائيل، على مدى 57 عامًا من هذا الاحتلال، على تجاهل هذه القيود القانونية المفروضة عليها، وبنت نظامًا صارمًا وتمييزيًا في السيطرة على هذه الأراضي. وقد أدانت تقارير متعددة صادرة عن منظمات حقوقية دولية مرموقة، مثل ‘هيومن رايتس ووتش’ و’منظمة العفو الدولية’، وحتى عن المنظمة الإسرائيلية ‘بتسيلم’، هذا النظام ووصفته بأنه يمثل ‘جريمة الفصل العنصري (الأبارتايد)’ وفقًا للقانون الدولي.
وقد جرى توصيف إسرائيل، في هذا السياق، مرارًا وتكرارًا من قبل المقررين الخاصين التابعين لمجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة — وهم خبراء مستقلون في حقوق الإنسان — بأنها مثال على ‘الاستعمار الاستيطاني’ الذي يُرى في مرحلة ما بعد الاستعمار. ويُعدّ هذا الوضع غير المشروع، القائم على هيمنة القوة، من أقوى الحجج وأكثرها إقناعًا؛ وذلك بالنظر إلى الجهود الرسمية وغير الرسمية التي تبذلها إسرائيل من أجل جعل الفلسطينيين يشعرون وكأنهم غرباء ومضطهدون في وطنهم الأصلي.
وقد وضعت هذه الجهود المنهجية الفلسطينيين أمام خيار بسيط وقاسٍ في آنٍ واحد، فإما الخضوع لنظام الفصل العنصري (الأبارتايد) الإسرائيلي، أو الفرار إلى الدول المجاورة، مع التمسك بالأمل في أن يتمكنوا يومًا ما من ممارسة ‘حق العودة’ المعترف به في القانون الدولي.
وبهذه الظروف، فإن الهجوم الذي شنّته حركة حماس يجب أن يُنظر إليه باعتباره ممارسة لحق مشروع في المقاومة من قِبل شعب مضطهد، وهو حق في الكفاح المسلح يعفيه القانون من المسؤولية الجنائية. ومع ذلك، إذا تم توثيق الادعاءات بشأن ارتكاب حماس لجرائم دولية خلال هذا الهجوم بشكل مهني ومحايد، وأُثبتت من خلال لجنة تحقيق مخوّلة دوليًا، فعندئذٍ يمكن تحميلها المسؤولية عن تلك الجرائم. وفي حال جرى هذا المسار القضائي، فإن إصدار أوامر توقيف لا يجب أن يقتصر على القادة الإسرائيليين الذين يُتهمون بالتحريض على مقاومة عنيفة - بل يجب أن يشمل أيضًا قادة حماس - الذين يُزعم أنهم وافقوا ونفّذوا أعمال مقاومة محظورة مثل احتجاز الرهائن.
وعند تقييم هذه التطورات من منظور ممارسة المحكمة الجنائية الدولية تجاه الجُناة، يبدو أن هناك أدلة كافية تدفع إلى اعتبار هجوم 7 أكتوبر/تشرين الأول واقعًا في إطار مستقل تمامًا عن الهجمات الإسرائيلية التي تلته. ورغم إمكانية إصدار أوامر توقيف بحق قادة من الطرفين، فإن المسألة الجوهرية التي يجب التركيز عليها هي ما إذا كان يمكن تصنيف القادة الإسرائيليين - في سياق الهجوم الانتقامي الذي بدأته إسرائيل في 8 و9 أكتوبر/تشرين الأول - كجُناة ينبغي محاسبتهم. وفي هذا السياق، يجب أن نأخذ في الاعتبار التصريحات العلنية للقادة الإسرائيليين، التي تضمّنت نوايا متطرفة تُجرّد الفلسطينيين من إنسانيتهم، إلى جانب الدمار المستمر وغير المسبوق الذي يستهدف قدرة المجتمع الفلسطيني في غزة على الحياة. هذا الدمار يشكّل خطرًا متزايدًا على الوجود الفردي والجماعي لشعب غزة.
وفي ظل وجود مثل هذه الأدلة القوية، لا يبقى أي مبرر مقبول لتأجيل اتخاذ إجراءات قانونية وسياسية حازمة تهدف إلى فضح القادة الإسرائيليين وتجريمهم ومحاسبتهم. علاوة على ذلك، فإن هذه الخطوات القانونية، رغم أهميتها الكبرى لتطوير القانون الدولي، يمكن أن تُتخذ دون انتظار صدور حكم من محكمة العدل الدولية بشأن جريمة الإبادة الجماعية.
ومن الجدير بالذكر أن الرئيس الأمريكي جو بايدن عبّر عن غضبه الشديد من محاولات المحكمة الجنائية الدولية مساواة العنف الانتقامي الذي مارسته إسرائيل بهجمات حماس الإرهابية. لكن هذا الغضب يتناقض تمامًا مع الصورة العامة التي يقدّمها هذا الكتاب، حيث يخرج القارئ بانطباع قوي يؤكد أن التصعيد المأساوي في العنف السياسي والكارثة الإنسانية، التي بلغت مستوى الإبادة الجماعية، تتحمّل إسرائيل القسم الأكبر من المسؤولية عنها. وفي هذا السياق، يتّضح مدى الخطأ الجسيم الذي ارتكبه المدّعي العام للمحكمة الجنائية الدولية
حينما وضع الاتهامات الموجهة لحماس في نفس المرتبة القانونية والأخلاقية مع تلك الموجهة إلى إسرائيل والمتواطئين معها.
أهمية مبدأ التواطؤ في الجريمة
إلى جانب الأفراد الثلاثة الذين وردت أسماؤهم في سياق الأوامر التي اقترحتها المحكمة الجنائية الدولية لتوقيف قادة إسرائيليين، وهي أوامر لم يُبتّ بها بعد، هناك جناة آخرون أيضًا. فقد قامت بعض الدول ذات السيادة بتسهيل هذا المسار من خلال تقديم دعم مادي ورمزي حيوي لإسرائيل كي تتمكن من تنفيذ جرائمها.
وعلى الرغم من أن العديد من المسؤولين الحكوميين خارج إسرائيل — وبعض المؤسسات الدولية مثل المفوضية الأوروبية — قد تمكنوا من الوصول المباشر، على مدى العامين الماضيين، إلى العديد من الشهادات والأدلة الاتهامية، بما في ذلك تلك التي قدمها صحفيون يعملون ميدانيًا في غزة، إلا أنهم واصلوا دعم إسرائيل بشكل علني ومدروس. وكان يفترض بهذا الدعم أن يزودهم بمستوى كافٍ من المعلومات لفهم الطبيعة الإجرامية للهجوم على غزة، وربما طبيعته القائمة على الإبادة.
وبالتالي، فإن هؤلاء الأفراد يُعدّون، من الناحية العملية، جناة فعليين من حيث مساهمتهم المباشرة في ارتكاب الجرائم الدولية.
ولا يمكن النظر إلى تصنيف قادة إسرائيل بوصفهم الجناة الأساسيين بمعزل عن الجناة الثانويين الذين ساعدوهم ووفّروا لهم التسهيلات. فمثل هذا التواطؤ هو ما يضمن استمرار النمط الكامن للجريمة. ومن منظور الاحتجاجات الشعبية، يمكن القول إن هناك إجماعًا قويًا بين النشطاء والخبراء في المجتمع المدني على أن قادة الولايات المتحدة، وألمانيا، وفرنسا، والمملكة المتحدة يُعتبرون — على المستوى السياسي والأخلاقي — من مرتكبي جريمة الإبادة الجماعية. ومع ذلك، فإن ثمة تساؤلات لا تزال قائمة بشأن ما إذا كان ينبغي اعتبار هؤلاء الأشخاص جناة من الناحية القانونية أيضًا.
وقد تجلى ذروة التواطؤ الرمزي للولايات المتحدة في الجرائم المرتكبة بحق الشعب الفلسطيني من خلال الفعالية الرسمية التي نُظّمت في واشنطن يوم 24 يوليو/تموز 2024، حيث تم توجيه دعوة لرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، وتم استقباله بمراسم رسمية. وكان أبرز ما ميّز هذه الفعالية هو توجيه دعوة خاصة إلى الزعيم الإسرائيلي — الذي يُصنّف في هذا الكتاب على أنه ‘الفاعل الرئيسي’ — لإلقاء خطاب في جلسة مشتركة للكونغرس الأمريكي. والسؤال هنا أليس من المنطقي اعتبار قادة غرفتي الكونغرس، الذين وجّهوا هذه الدعوة، جناة أيضًا، حتى وإن لم يكونوا منفذي السياسات الإجرامية الإسرائيلية بشكل مباشر؟
وفي الوقت ذاته، يظهر أن الدافع وراء تحميل الأفراد مسؤولية الجرائم المرتبطة بحكومات أو جهات حكومية دولية لا يندرج دائمًا في إطار المساءلة الجنائية الكاملة، بل يكون في كثير من الأحيان ذا طابع رمزي — إذ أن الغاية الأساسية تتمثل في ردع أنماط معينة من السلوك، بينما يأتي عقاب الأفراد على ما ارتكبوه من جرائم في المرتبة الثانية. وتجدر الإشارة إلى أن محكمتي نورمبرغ وطوكيو اللتين أقيمتا بعد الحرب العالمية الثانية، ركّزتا على تحميل المسؤولية لعدد محدود من القادة السياسيين والعسكريين الأحياء، الذين كانوا بحوزة الحلفاء حينها. أما المحاكمات التي تلت ذلك، فقد ركزت أكثر على الأفراد الذين تورّطوا مباشرة في ارتكاب الجرائم، بينما لم تشمل الأشخاص الذين ساهموا فقط في صياغة أو تنفيذ قرارات سياسية عامة.
وبإيجاز، فإن الأفراد الذين دعموا أيديولوجيًا عنصرية النازيين أو السياسات الإمبريالية اليابانية لم تتم محاكمتهم بوصفهم جناة من الناحية الرسمية. وكان الهدف العملي من هذا الحصر في المسؤولية هو تجنّب إعلان شعبي ألمانيا أو اليابان بأكملهم كمذنبين، إذ إن الدول المنتصرة في الحرب كانت ترى أن اتباع هذا النهج من شأنه أن يُعقّد مسار الانتقال إلى السلام. ويعزز هذا المنطق الحُجّة القائلة بوجوب فرض قيود صارمة على تعريف الجناة من الناحية القانونية.
ملاحظة أخيرة
آمل أن تساهم مشاهد الرعب والمعاناة المروعة الواردة في هذا الكتاب في تعزيز نضال أبناء الأراضي الفلسطينية المحتلة من أجل البقاء، وسعيهم لاستخدام حقهم في تقرير المصير، على أقل تقدير. كما آمل في الوقت ذاته أن تُسهم هذه الصور — دون الانجراف نحو فظاعة الأحداث الفردية أو الوقوع في روايات زائفة مثل ‘الدفاع المشروع’ و’الأمن’ — في مساعدة الناس في جميع أنحاء العالم على استخدام هذه الأدلة الصادمة لتحديد الجناة في الهجوم الإجرامي الشامل والمنظّم الذي شنّته إسرائيل، والعمل على تجريدهم من الشرعية.
إن فهم السياق الإبادي للرد الإسرائيلي، حتى في ظل غياب قرار قانوني رسمي يؤكد ذلك، لا يقل أهمية عن أي شيء آخر. فقد توصّلت التقييمات السياسية والأخلاقية، التي تشكّل الخطاب العام الأكثر موثوقية، إلى هذه النتيجة منذ عدة أشهر.
وعندما تصدر محكمة العدل الدولية لاحقًا قرارها بشأن ما إذا كان يمكن تحميل إسرائيل جريمة الإبادة الجماعية، فإن هذا القرار سيوجه الطريقة التي سيتقدّم بها المسار القانوني بحق الأفراد الذين تم تعريفهم كجناة. ومع ذلك، فإن حجم الكارثة الإنسانية في غزة وطابعها العاجل يقدمان ما يكفي من المبررات لعدم انتظار الإجراءات البطيئة لمحكمة العدل الدولية. لدينا اليوم ما يكفي من الأدلة، ليس فقط لمحاربة الجناة الأساسيين والثانويين بشكل فعّال، بل لمشاركة التوقعات بأن لا يحلّ محلّهم أشخاص آخرون يدافعون عن السياسات الإسرائيلية التي طُبقت خلال العامين الأخيرين. كما لا ينبغي أن ننسى أن اتفاقية الإبادة الجماعية لا تقتصر فقط على العقاب، بل تشمل أيضًا الوقاية من الإبادة، وحظر التحريض عليها أو التشجيع عليها. وهذه المسؤولية لا تقع فقط على عاتق الحكومات أو الأمم المتحدة، بل على شعوب العالم كافة.