
لماذا لا تسمح إسرائيل للصحفيين الدوليين بالدخول إلى غزة؟
ربما لديهم ما يخفونه. لا أعرف. من الأفضل أن تسألهم مباشرة. عادةً، عندما لا تسمح لشخص بدخول مكان ما، فإنك لا تريد لهذا الشخص أن يرى شيئًا معينًا. وأنا أيضًا أشارككم الفضول بهذا الشأن.
هل تعتقد أن الحكومة الإسرائيلية تحاول إخفاء الحقيقة؟
أشارككم نفس الفضول.
قُتل العديد من الصحفيين، أحدهم كان زميلنا وصديقي المقرب منتصر الصواف
أشعر بحزنكم وأشارككم الألم..
من منظور أوسع، كيف ترى حرية الصحافة في إسرائيل؟ وكيف تقيّم حرية الصحافة في غزة في ضوء الممارسات الإسرائيلية بعد السابع من أكتوبر/ تشرين الأول؟
لنبدأ بالشق الثاني من السؤال. لا توجد حرية صحافة في غزة، لأنه كما ذكرتم، لا يسمح للصحافة الدولية بالدخول إلى هناك.
أما المؤسسات الإعلامية التي تستطيع إدخال صحفييها إلى غزة، فهي في الغالب نادرًا ما تكون من تلك التي لا تتعاون مع الإدارة أو الحكومة. أما البقية، فإن ما يفعلونه لا يتعدى نشر ما تريده الحكومة فقط. وأنا على يقين بأن هناك أمورًا لا يُسمح حتى لهؤلاء الصحفيين برؤيتها.
بالتالي، ما يحدث في غزة لا علاقة له بحرية الصحافة. أما بخصوص ما يحدث في إسرائيل الآن، فالوضع مختلف. الحرب تدور على نطاق أوسع. نحن غالبًا ما نتحدث عن تعبئة الحكومة للصحافة؛ حيث تقوم الحكومات، لا سيما في الأنظمة الدكتاتورية، بتسخير الإعلام لنشر أمور معينة أو منع نشر أخرى.
ما يحدث الآن في إسرائيل هو أمر أتحسر عليه وأراه غير أخلاقي إلى حد بعيد؛ إذ أن غالبية الصحفيين - لا أقول كلهم، ولكن حوالي 90 بالمئة منهم - لا يحتاجون حتى إلى التعبئة. لقد قاموا بالفعل بتعبئة أنفسهم طوعًا لدعم الحرب وسياسات الحكومة.
أما في غزة، فأعتقد أن الوضع مختلف. هنا، لا أستطيع القول بأن هناك قيودًا شديدة على حرية التعبير والصحافة، ولكن الصحفيين أنفسهم، أو على الأقل الأغلبية منهم، اختاروا بأنفسهم ألا يكونوا أحرارًا. عندما تنتهي هذه الأوقات المروعة، سيذكر التاريخ هذه المواقف. سيذكر التاريخ أنهم خانوا مهنتهم.
إذا لم يكن لدى زميلي أي شيء يضيفه، دعني أطرح بعض الأسئلة الأخيرة. في محكمة العدل الدولية، قال أحد المحامين إن هذه هي “أول إبادة جماعية في التاريخ يجري بث وقائعها وفصولها بشكل مباشر”. عبر التاريخ، شهدنا العديد من الفظائع، لكن حاليًا، ورغم القيود التي تفرضها الحكومة الإسرائيلية والإمكانات المحدودة، يتم توثيق جميع جوانب هذا الحدث بتفاصيل دقيقة. بعض الأدلة المهمة التي جرى تقديمها في لاهاي جاءت من زملائي. على سبيل المثال، التقط مصطفى الخاروف صورة اتضح لاحقًا أنها تشكل دليلًا مهمًا. في هذا السياق، كيف تقيّم أهمية دور الصحافة؟
إذا كانت الصحافة حرة حقًا، وملتزمة، واحترافية وغير قابلة للتلاعب بسهولة، فإن تبنيها لأي ميل سياسي - سواء كان يمينيًا أو يساريًا، أو حتى اتخاذ موقف محايد سياسيًا أو تبني وجهة نظر إسرائيلية أو فلسطينية - يعد أمرًا بالغ الأهمية. أؤمن أن هذا التنوع له قيمة كبيرة. ولكن للأسف، كما ذكرت سابقًا، هذا ليس هو الحال في الوقت الحالي.
ما رأيك في تصوير فصول الإبادة الجماعية؟
أريد أن أقول شيئين باختصار.
أولًا، كما ذكرت سابقًا، يجب أن أكون حذرًا للغاية في هذا الأمر؛ لا أريد أن أقول بشكل قاطع أن ما يحدث هنا هو إبادة جماعية من الناحية القانونية، لأنني لا أمتلك التفاصيل القانونية الكافية حول الموضوع. لا أقول إنه ليس إبادة جماعية، بل فقط أنا لست على دراية كافية. لذلك، يجب دراسة هذا الموضوع بعمق. وإذا كانت الصحافة مهنية ونزيهة، فيجب أن تكون جزءًا من آلية التحقيق.
من ناحية المفهوم القانوني، لا أستطيع أن أؤكد بشكل قاطع إذا ما كان يحدث هنا إبادة جماعية أم لا. ثانيًا، هناك بالفعل مذبحة موثقة أثرت على العالم، وهي حرب فيتنام. لماذا أتحدث عن هذا؟ لأنني إذا سألت - الأمريكيين أو غيرهم - عن الحرب الكورية التي وقعت في الخمسينيات، فلن يكون لديهم الكثير من المعرفة حول ما حدث هناك. وأظن أن الكثيرين قد لا يكونوا سمعوا حتى باسم هذه الحرب.
هل تعتقد أن الوضع مشابه بالنسبة للإسرائيليين؟
هذا سؤال مثير للاهتمام ويستحق التفكير. لكن الجميع يعرفون حرب فيتنام. لماذا؟ لأن الدمار والعدد الكبير من القتلى موثق ومعروف. الفارق الزمني بين الحربين ليس كبيرًا، ربما حوالي 15 عامًا. ومع ذلك، كان هناك دمار هائل وعدد كبير من القتلى في كوريا أيضًا. لماذا إذن لا يعرف الناس الكثير عن كوريا ولماذا لم تُنظم احتجاجات جماعية ضد الحرب الكورية؟ لأنه لم يتم توثيقها. لم يكن هناك تلفاز أو هواتف لتوثيق ما حدث. أما حرب فيتنام فقد تم توثيقها وبثها على شاشات التلفزيون. وهذا هو الفرق الجوهري بين الحربين.
إذا نظرنا إلى غزة، إذا لم تكن تعلم بما يحدث في مكان ما من العالم، فلن تقوم بأي شيء لإيقافه. وإذا كنت تعلم، فإما أن تدرك أن هناك كارثة وجريمة أخلاقية فتسعى لوقفها، أو قد تبرر لنفسك الأمر وتقول “يستحقون ذلك”، وهذا أيضًا ممكن.
أعتقد أن ما يحدث الآن هو شكل من أشكال “متلازمة كوريا”. أي أن الوضع لا يُعرض بشكل كافٍ على شاشات التلفاز أو لا يتم توثيقه بما يكفي. في إسرائيل، معظم الناس يتابعون فقط الإعلام الإسرائيلي، وبالتالي لا يعلمون بما يحدث في غزة، لأن الإعلام الإسرائيلي، كما قلت سابقًا، أصبح داعمًا للحكومة وسياساتها بشكل طوعي، ولا يظهرون مستوى الدمار والألم والخسائر البشرية الحقيقية. لذلك، أغلب الإسرائيليين الذين لا يتابعون الإعلام الأجنبي ليس لديهم أي فكرة عما يحدث.
هل تعتقد أن متابعة الإعلام الأجنبي قد يُحدِثُ فرقًا؟
أعتقد أن هذا قد يُحدِثُ تغييرًا تدريجيًا. لا أقول إن الواقع سوف يتغيّر فورًا. وكما قلت سابقًا وسأقول الآن، بعض الناس قد يشاهدون مشاهد مروعة ويحتفلون بها. هذا ليس مقتصرًا على إسرائيل فقط، بل هو متعلق بالإنسانية بشكل عام. البشر، رغم عظمة الإنسانية، يمكنهم إفساد كل شيء. هذا يعتبر ساريًا في كل زمان ومكان.
كيف تفسر الدعم الأمريكي القوي لإسرائيل؟ وهل ترى أن الرأي العام في الولايات المتحدة وأوروبا، خاصة في ألمانيا، قد تغير بشكل كافٍ؟ نحن نرى مئات الآلاف من الناس يخرجون في مظاهرات احتجاجية. هل تعتقد أن الرأي العام العالمي يتجه نحو معارضة سياسات الحكومة اليمينية الإسرائيلية؟ ما الذي يحدث برأيك؟
أولًا، يجب علي القول إن هذا الدعم الأمريكي غير مقبول بأي شكل من الأشكال. موقف إدارة بايدن مشين جدًا. ليس فقط لأنهم يسمحون بالمذبحة، بل لأنهم لا يدعمون إسرائيل كشعب، بل يدعمون الحكومة الإسرائيلية. والحكومة الإسرائيلية هي العدو الأول للإسرائيليين. بدعمهم للحكومة، يضرون حقًا بمصالح الشعب الإسرائيلي ورفاهه وأمنه. لذا، هذا أمر مخجل جدًا يجب أن يشعروا بالخجل حياله، بالإضافة إلى غضهم الطرف عن ممارسات الحكومة الإسرائيلية في غزة.
ثانيًا، أرى المظاهرات والاحتجاجات حول العالم. وأريد أن أقول شيئًا مهمًا جدًا في هذا السياق. أولًا، بالطبع أدعو الجميع في جميع أنحاء العالم للخروج إلى الشوارع والتظاهر ضد سياسات الحكومة الإسرائيلية. لكن هناك مسألة أخرى أهم. أريد من خلالكم أن أقول للناس: لا تخلطوا بين الحكومة الإسرائيلية وإسرائيل. لا تكونوا ضد إسرائيل؛ كونوا ضد الحكومة الإسرائيلية.
والأهم من ذلك، لا تخلطوا بين معاداة السامية ومعارضة الحرب والاحتلال.
معاداة السامية هي شكل من أشكال العنصرية. تمامًا مثل الإسلاموفوبيا، أو معاداة العرب، أو أي نوع آخر من العنصرية، معاداة السامية جريمة. قاتلوا ضدها ولا تتواطؤوا معها. كونوا ضد الحرب والاحتلال باسم السلام، وعبّروا عن دعمكم لليهود الذين يتعرضون لاعتداءات. لا تقفوا مع المعتدين؛ بل كونوا على العكس تمامًا.


