
7 أكتوبر/ تشرين الأول، يُعد نقطة تحول في التوترات بين إسرائيل وفلسطين. تحول الصراع إلى نوع من الحرب التي تختلف تمامًا عن الحروب السابقة. كيف تقيمون ذلك بالنظر إلى مجمل المنطقة؟
أولًا، حتى 7 أكتوبر/ تشرين الأول، كان هناك تصور بأن إسرائيل لا تقهر، ولم يكن هذا التصور موجودًا فقط في فلسطين، بل انتشر إلى سائر الشعوب العربية بشكل عام. لكن في 7 أكتوبر، قام حوالي 1000 إلى 1200 عنصر من حركة حماس بشن هجوم على إسرائيل، وتمكنوا من كسر الحصار وتنفيذ هذه العملية رغم أن حماس هي منظمة مقاومة تنشط تحت حصار مستمر منذ 17 عامًا. فشل الجيش الإسرائيلي وأجهزته الاستخباراتية والشرطية في اكتشاف هذا الهجوم أو التصدي له في الوقت المناسب، مما ترك أثرًا عميقًا في فلسطين والمنطقة ككل. كما أن هذا الهجوم شكّل صدمة كبيرة للإسرائيليين، لأنهم كانوا يثقون بشكل مطلق في جيشهم إلى درجة الإيمان تقريبًا، وهذه الثقة تحطمت إلى حد كبير.
الصدمة الثانية جاءت من القصف الذي استمر لمدة ثلاثة أشهر بعد الهجوم. ما أعنيه هنا هو أنه رغم الدعم المطلق من الولايات المتحدة والدول الغربية واستخدامهم لأحدث التقنيات في قصف غزة، بما في ذلك استهداف المدنيين والمسلحين دون تمييز، إلا أنهم لم يتمكنوا من استعادة ولو أسير إسرائيلي واحد، ولم ينجحوا في القضاء على حماس كما كانوا يهدفون في البداية. هذه هي الصدمة الثانية التي واجهتها إسرائيل. أرى أن العديد من المعلقين الإسرائيليين يشيرون إلى هذه النقطة. والآن، يبدو أن إسرائيل تزيد من حدة هجماتها لمحاولة قتل الشعور الذي بدأ يتكون لدى الفلسطينيين والمجتمعات العربية الأخرى بأن “إسرائيل يمكن هزيمتها وأنه يمكن إنقاذ فلسطين واستعادة حريتها”. وهذا بحد ذاته يجعل هذه الأحداث نقطة تحول.
ثانيًا، دعونا نتناول التأثير الدولي. في السابق، كانت القضية الفلسطينية قد أُهملت وأُزيحت إلى المركز الثاني أو الثالث أو حتى الرابع، وبدأت الدول العربية تتحدث عن تطبيع العلاقات مع إسرائيل وكأن القضية الفلسطينية لم تعد ذات أهمية. لكن نتيجة هذا الهجوم، أصبحت القضية الفلسطينية مرة أخرى محور التركيز الأساسي، وجعلت العديد من الدول تدرك أنه “بدون حل هذه القضية، لن يحل السلام في المنطقة؛ كما لا يمكن تجاهل القضية الفلسطينية”.
باعتقادك، كيف لهذا الوضع أن يؤثر على الجغرافيا أو المنطقة المسماة بالشرق الأوسط؟
أولاً، أعتقد أن المسألة التي ذكرتها في البداية، أي أن النهج الذي كان يتجاهل قضية فلسطين، والذي كان يقول “هنا إسرائيل ولا يوجد بلد يسمى فلسطين”، قد انقلب تمامًا. وقد جاءت رسائل من جميع دول المنطقة والعالم تؤكد هذا التغير. فقد وصل الجميع إلى نقطة إعادة النظر في سياساتهم والاعتراف بأن الفلسطينيين ما زالوا موجودين هنا. ثانيًا، بعد 7 أكتوبر/ تشرين الأول، أي بعد الهجوم الذي شنته حماس، أطلقت إسرائيل هجومًا واسعًا أدى لمقتل عدد كبير من المدنيين في غزة ما أثار غضب شعوب العالم، إذا صح التعبير. فقد خرج مئات الآلاف إلى الشوارع في أمريكا وألمانيا وعواصم الغرب، بطريقة لم نرها من قبل. يبدو أن هذا التغيير في الرأي العام العالمي سيؤدي على الأرجح في السنوات المقبلة إلى إعادة نظر الحكومات في سياساتها لصالح فلسطين وضد إسرائيل.

طرغت آلب بويراز، وبصفته مسؤولاً في وكالة الأناضول، هو شخصية على اتصال بكل من الجانب الإسرائيلي واليهودي وكذلك الجانب المسلم. لكل من الجانبين وجهة نظر خاصة به بالطبع. ولكن هل هناك نقطة يمكن أن يتفقوا عليها؟ في نهاية الطريق، هل هناك أمل في السلام؟ هل هناك أمل في أن تصبح قضية إسرائيل وفلسطين جزءًا من التاريخ؟
التنبؤ بهذه الأمور صعب جدًا، لأن الغالبية العظمى من المجتمع الإسرائيلي تحمل أفكارًا متطرفة للغاية. نتابع المظاهرات المناهضة للحرب، لا يتعدى عدد المشاركين فيها المائة أو مائتي أو ثلاثمائة شخص فقط. ولكن نرى أن غالبية المجتمع، سواء كانوا مع أو ضد الحكومة، مع أو ضد نتنياهو، يؤيدون سياسات العنف. لذلك، يقول العديد من المعلقين إن التغيير من الداخل غير ممكن. بمعنى أن الاتجاه نحو سياسات أكثر سلمية أو حلول عملية لا يبدو ممكنًا في المجتمع والسياسة الإسرائيلية. لكن قد يكون هذا ممكنًا من خلال الضغوط الدولية. ومع ذلك، أعتقد أن هذا تسبب في “صدمة” وتغيير في عقلية بعض الإسرائيليين. بمعنى أن (الرأي العام الإسرائيلي) يعيد النظر في موقفه القائل: “نعم، جيشنا قوي للغاية. استخباراتنا قوية للغاية. دع الفلسطينيين يروا عظمتنا”.
على سبيل المثال، بعد 7 أكتوبر، أعتقد في 10 أكتوبر، تحدثت مع صحفي إسرائيلي يعمل على حدود غزة لصالح القناة 12. سألته: “المتدابير الذي اتخذتها على الصعيد الشخصي؟” قال: “أول شيء فعلته هو أنني أرسلت أطفالي إلى بلغاريا”. فهو من يهود بلغاريا، لأن جميع الإسرائيليين جاءوا من مكان ما. لم يولدوا هنا. جاءوا من أماكن أخرى، لذا يمكنني القول إن هذه الأحداث تسببت بـ “صدمة” لديهم. لقد انهارت الثقة التي كانوا يملكونها بفضل “القبة الحديدية” - نظام الدفاع الجوي - وجيشهم واستخباراتهم، حتى لو لم يمنحوا الفلسطينيين حقوقهم. فحتى جماعة مقاومة في مكان قابع تحت الاحتلال منذ 75 عامًا وتحت الحصار لمدة 17 عامًا استطاعت أن تظهر مثل هذا النضال ضد الجيش الإسرائيلي. وبالتالي، من المحتمل أننا سنشهد مثل هذه النقاشات داخل إسرائيل بعد الحرب. الآن، كما يقال، الجميع قد سحبوا خناجرهم وينتظرون انتهاء الحرب. سواء السياسيون أو المجتمع، يبدو أن هناك مراجعة جدية بعد الحرب، ولكن من الصعب التنبؤ إلى أين ستتجه الأمور أو كيف ستؤثر على سياسات إسرائيل.
في 7 أكتوبر، عندما شنت حماس هجومها، انتشرت أخبار تفيد بأنها قامت بقطع رأس طفل يدعى “بيري” في مستوطنة.
كما أن الصحفي الذي نشر هذه الأخبار حصل على جائزة. تم نشر هذه الأخبار في أماكن كثيرة، وبالطبع كصحفيين كان لدينا رد فعل “إذا كانت هذه الأخبار صحيحة، فيجب أن نكتب عنها”. لأننا لا ننظر إلى الأمور بشكل أحدادي الجانب؛ ونحاول كتابة الحقيقة كما هي. اتصلت بالمتحدث باسم الجيش الإسرائيلي وسألته: “هل هناك شيء من هذا القبيل؟” فقال: “لا، ليس لدينا أي معلومات عن قيام حماس بقطع رؤوس أطفال. لا يمكننا تأكيد ذلك”. اتصلت به مرة أخرى وسجلت المكالمتين. بالنسبة لي، كانت هذه نقطة هامة في مسيرتي الصحفية. بعد نشر هذه الأخبار كخبر عاجل، قرأها الملايين، وأظهرت لي أن ملاحقة الحقيقة كصحفي، خاصة في مثل هذه المواقف، أمر في غاية الأهمية. أعتقد أن هذه كانت نقطة هامة في تغيير الرأي حول مجريات الحرب.




